أحمد بن محمد القسطلاني

113

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل ) غالبًا ( وسألتك هل يزيدون أو ) وفي رواية شعيب أم ( ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان ) فإنه لا يزال في زيادة ( حتى يتم ) أمره بالصلاة والزكاة والصيام ونحوها ، ولذا نزل في آخر سنيه عليه الصلاة والسلام { اليوم أكملت لكم دينكم } الآية [ المائدة : 3 ] . ( وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فزعمت أن لا . فكذلك الإيمان حين تخلط ) بفتح المثناة وسكون الخاء المعجمة وبعد اللام المكسورة طاء مهملة ( بشاشته القلوب ) بفتح الموحدة والإضافة إلى ضمير الإيمان والقلوب نصب على المفعولية أي تخالط بشاشة الإيمان القلوب التي يدخل فيها ( لا يسخطه أحد ) وفي رواية ابن إسحاق : وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه . ( وسألتك هل يغدر ؟ فزعمت أن لا . وكذلك الرسل لا يغدرون . وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم ؟ فزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه يكون دولاً وبدال ) بالواو وسقطت لأبي ذر ( عليكم المرّة وتدالون عليه الأخرى وكذلك الرسل تُبتلى ) أي تختبر بالغلبة عليهم ليعلم صبرهم ( وتكون لها ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي : له أي للمبتلى منهم ( العاقبة ، وسألتك بماذا يأمركم ) ؟ بإثبات الألف مع ما الاستفهامية وهو قليل ، وسبق في أوّل الكتاب مزيد فوائد فلتنظر . ( فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا و ) أنه ( ينهاكم عمّا كان يعبد آباؤكم ) أي عن عبادة الأوثان ( و ) أنه ( يأمركم بالصلاة والصدقة ) وللحموي والكشميهني : والصدق بدل الصدقة ( والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة . قال ) هرقل ( وهذه صفة النبي ) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي : نبي ( قد كنت أعلم أنه خارج ) قال ذلك لما رأى من علامات نبوّته الثابتة في الكتب السابقة ، ( ولكني لم أظن ) ولأبي ذر عن الكشميهني : لم أعلم ( أنه منكم ) أي من قريش ( وإن يك ما قلت حقًّا فيوشك ) بكسر الشين المعجمة أي فيسرع ( أن يملك ) عليه الصلاة والسلام ( موضع قدميّ هاتين ) أرض بيت المقدس أو أرض ملكه ( ولو أرجو أن أخلص ) بضم اللام أصل ( إليه لتجشمت ) بالجيم والشين المعجمة لتكلفت ( لقيه ) ولأبي ذر عن الكشميهني : لقاءه ، وفي مرسل ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال : ويحك والله إني لأعلم أنه نبي مرسل ، ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذاك لاتبعته ( ولو كنت عنده لغسلت قدميه ) وفي رواية عبد الله بن شداد عن أبي سفيان : لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبّل رأسه وأغسل قدميه . ( قال أبو سفيان ثم دعا ) هرقل ( بكتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي من وكل ذلك إليه أو من يأتي به ، وزاد في رواية شعيب عن الزهري الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل ( فقرئ فإذا فيه ) : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله ) قدّم لفظ العبودية على الرسالة ليدل على أن العبودية أقرب طرق العباد إليه وتعريضًا لبطلان قول النصارى في المسيح أنه ابن الله لأن الرسل مستوون في أنهم عباد الله ( إلى هرقل عظيم ) أهل ( الروم سلام على من اتّبع الهدى أما بعد ؛ فإني أدعوك بداعية الإسلام ) مصدر بمعنى الدعوة كالعافية . وفي رواية شعيب بدعاية الإسلام أي بدعوته وهي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل المِلَل الكافرة ( أسلم تسلم وأسلم ) بكسر اللام في الأولى والأخيرة وفتحها في الثانية ، وهذا في غاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس فإن تسلم شامل لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الذراري والأموال ومن عذاب الآخرة ( يؤتك الله أجرك مرتين ) أي من جهة إيمانه بنبيه ثم بنبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو من جهة أن إسلامه سبب لإسلام أتباعه ( فإن توليت ) أعرضت عن الإسلام ( فعليك ) مع إثمك ( إثم الأريسيين ) بالهمزة وتشديد